عبد الله الأنصاري الهروي

139

منازل السائرين ( شرح القاساني )

--> العطش الحاصل فيه من أثر تلك الحركة المزعجة توجب كآبة وحرقة لا يرويه إلّا قطرة من سلسبيل العناية والمدد فيما هو بصدده ، ثمّ وجدان السرّ أثر الألم والقهر من ذلك القلق والعطش بحيث يكاد أن تغيبه ذلك عن تعينه ، ثمّ الهيمان الذي هو تحقيق الغيبة من أثر الوجد . ثمّ البرق ، وهو لائح إطلاقيّ مدديّ مترتب على تلك الغيبة عن أثر التعيّن ، قاهر وساتر ظلمة ذلك الأثر بالكليّة ، ثمّ الذوق وهو قطرة مطرة نازلة في ضمن ذلك البرق من الحضرة العمائية مستدعية تسكين حرقة العطش المذكور . فهذه أحوال مرقية سر السائر ومنقلة إيّاه من حضرات نازلة جزئية إلى حضرات رفيعة كليّة بالنسبة ممّا يشتمل عليه الاسم الظاهر ، الذي حكمه رؤية الوحدة الوجوديّة في عين الكثرة الظاهرة بالنفس وقواها وآلاتها ومزيلة قيدا وتعيّنا مختصّا بتلك الحضرة التي ترقى وتنقل منها ؛ وبإزالة كلّ قيد وتعيّن عن سرّ السيار في هذه الأطوار يزداد قوة وكلّيّة في ذاته وصفاته وإدراكاته ، وقربة من مدارج نهاياته ؛ فسمّى بعضهم هذا التقوى بهذه النسبة القريبة إلى النهاية قسم الولايات ، فيلحظ السرّ بتلك القوّة عينه بجميع آثاره وصفاته ونعوته الأصليّة والعارضيّة والكمالات الحاصلة أو المتعلّقة بتلك الآثار ، ويلحظ أيضا نهايته النسبية أو الحقيقية ، ويلحظ المحلّ المعنويّ الذي يحصل اللحظ فيه وهو باطن الزمان المسمّى باصطلاح القوم : الوقت ، وهو الحال المتوسّط بين الماضي والمستقبل ، وله الدوام ، فإنّ هذه الحال هو الذي كان جميع المعلومات متعلّقا به وكائنا فيه في الحضرة العلميّة ، فكلّ معلوم كان حاصلا في حصّة معيّنة منه بجميع توابعه ولواحقه وإضافة الوجود إليها أيضا متعلّق به فلحظ سرّ هذا السائر أيضا كان متعلّقا بوقته وبما يقتضيه وقته حين بوقته ، وحينئذ يصفو حاله عن أكدار الأغيار ، فكان اللحظ وبحكم الوقت فلا يطّلع عليه وعلى حاله غيره البتة ، وإليه الإشارة بقوله صلى اللّه عليه وسلّم حكاية عن ربّه تعالى : « أوليائي تحت قبابي لا يعرفهم غيرى » ، فيكون هذا الوليّ الصاحب للسرّ في هذه الحالة صاحب نفس واحدة ويظهر أثر نفسه في نفسه بحسب حالة حجابيّته واستتاره لإعدام كل صورة توجب حجابه وستره وبعده ، وإيجاد صورة تستلزم كشفه وتجلّيه وقربه ، ويظهر ذلك الأثر بحسب حال كشفه وشهوده وتجلّيه بإحياء القلوب الميتة وإيجاد صورة في موضع وإعدامها في موضع آخر ، كما ورد من قوله صلى اللّه عليه وسلّم : « إني لأجد